ابحث على الانترنت

Pina Slimmer

Saturday, May 9, 2009

غزوة احد ذكرى و عبرة و دروس


۞ معركة أحد ۞

قرر كفّار قريش إعلان الحرب على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن تتكفّل قريش نفقاتها، فأعدّت 4 آلاف مقاتل، إضافة إلى النساء اللائي هدفوا من إشراكهن: تحريض الرجال على القتال، والصمود وعدم الفرار، وإشعال الحماس في النفوس، وإنّ فرار الرجال يعني أسرهن، فتصبح الغيرة والحمية سبباً للمقاومة والصمود. كما اشترك في الجيش عدد من العبيد والرقيق طمعاً في العتق الذي وعدوا به متى ما نصروا أسيادهم، مثل وحشي الحبشي، إلاّ أنّ العباس بن عبد المطلب الذي عاش بين قريش كاتماً إيمانه، كتب تقريراً مفصلاً عن تلك الاستعدادات وأرسله مع رجل غفاري إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبر أصحابه بالأمر. ثمّ عقد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في يوم الجمعة اجتماعاً عسكرياً للتشاور مع القادة وأهل الخبرة في وسائل مواجهة العدو، فأشار عبد اللّه بن أُبي بن سلول ـ من منافقي المدينة ـ بالقتال داخل المدينة، أي لا يخرج المسلمون منها بل يقاتلونهم حرب الشوارع. إلاّ أنّ فتيان المسلمين شجبوا هذا الرأي وأقروا الخروج من المدينة لملاقاة العدو، بعد أن أيّد الرأي السابق أكابر أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والاَنصار. وكان حمزة و سعد بن عبادة على رأس القائلين بلقاء العدو خارج المدينة، فأيّد النبي رأي الاَكثرية بالخروج للحرب، إذ أنّ محاصرة العدوّ للمدينة وسيطرته على مداخلها وطرقاتها وسكوت جنود الاِسلام على ذلك، من شأنه أن يقتل الروح القتالية والفروسية في أبناء الاِسلام المجاهدين، وكان جيش الكفّار قد وصل أطراف المدينة، حتى استقر قرب جبل أُحد، يوم الخميس، الخامس من شهر شوال، فاستعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لبس لامته والدرع وتقلّد السيف واعتمّ، فخرج من بيته، ممّا آثار المسلمين وهزّهم بشدّة حتّى تصوّر بعضهم أنّهم قد أجبروه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الخروج، فطلبوا منه المعذرة وإجراء أيّ فعل يقصده، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : (ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل). ثمّ صلّى الناس الجمعة، وخرج على رأس ألف مقاتل قاصداً (أُحد).

وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) قد رفض اشتراك جماعة من اليهود الذين تحالفوا مع عبد اللّه بن أُبيّ بن سلول معهم، فانعزل عن الجيش وعاد بثلث الناس كلّهم من الاَوس المتحالفين معه، إلى المدينة، بحجّة أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ برأي الفتية والشباب. ولذا لم يشترك اليهودُ والمنافقون في هذه الحرب.

وفي يوم السبت 7 من شهر شوال، اصطف الجيش الاِسلامي أمام قوى الشرك المعتدية، فجعل ظهره إلى جبل أُحد كمانع طبيعي يحفظ الخلف، ووضع جماعة من الرماة عند ثغرة في الجبل، عليهم عبد اللّه بن جبير وطلب منهم الالتزام بالموقع: (إلزموا مكانكم لا تبرحوا منه إن كانت لنا أو علينا فلا تفارقوا مكانكم).

إلاّ أنّ المسلمين انهزموا بعد انتصارهم في بداية المعركة نتيجة تجاهل هوَلاء الرماة لأوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين أخلوا هذا الموقع الاستراتيجي، وكانت قريش قد أعدّت تسعة رجال شجعان من بني عبد الدار لحمل الراية، قتلهم الاِمام علي (عليه السلام) جميعاً، كما قتل غلامهم حين برز أيضاً. وبذا فإنّ النتيجة الاَوّلية كانت هزيمة الكفّار مخلِّفين وراءهم غنائم وأموالاً كثيرة، فانتصر المسلمون على عدوّهم القوي عدداً وعدّة، لأسباب منها:

ـ أنّهم قاتلوا في مرضاة اللّه، ونشر عقيدة التوحيد، دون أن يهدفوا إلى مصلحة مادية، ولكنّهم انهزموا بعد انتصارهم الساحق لأسباب كان أهمها:

1ـ تغيّر أهدافهم، فقد اتجهت أنظارهم إلى الغنائم في أرض المعركة، ونسوا أوامر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه بالتمسّك بها مهما حدث. وخاصة أُولئك الرماة الحامين ظهر المسلمين على جبل أُحد، حين تركوا مواقعهم ونزلوا إلى الساحة يريدون جمع الغنائم قائلين: (ولِمَ نقيم هنا من غير شيء وقد هزم اللّه العدو، فلنذهب ونغنم مع إخواننا). وهو الاَمر الذي استغله خالد بن الوليد الذي كان آنذاك مع المشركين وكان يترصّد خلوّ الثغرة من الرماة، فقتل باقي الرماة وكانوا عشرة من خمسين، ثمّ هاجم المسلمين الغافلين عن الوضع السّيئ والذين انشغلوا بجمع الغنائم، فتفرقت جموعهم، واجتمع جنود قريش الهاربون فقاتلوا المسلمين قتالاً ضارياً، حتى قُتِلَ منهم سبعون رجلاً. وعندما قتل أحد أبطال المشركين من قريش، حامل لواء الاِسلام مصعب بن عمير ظنّ أنّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فصاح: قتلت محمداً. فانتشر الخبر بين المسلمين وقريش الذين سرّوا بذلك فصاحوا: ألا قد قتل محمد. فاضطر المسلمون ـ بعد انفراط القيادة، وإشاعة الفوضى والهرج والمرج في الجيش ـ إلى أن يهرب معظمهم إلى الجبل تاركين أرض المعركة، إلاّعدد قليل منهم.

وكان خمسة من صناديد قريش قد تعاهدوا على أن يضعوا نهاية لحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهما كلّفهم الاَمر، وهم:

1.عبد اللّه بن شهاب، الذي جرح جبهة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

2.عتبة بن أبي وقاص، الذي رمى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأحجار فكسر رباعيته.

3. ابن قميئة الليثي، الذي رمى وجنتي الرسول وجرحهما.

4.عبد اللّه بن حميد، الذي حمل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقتله أبو دجانة بطل الاِسلام.

5.أُبي بن خلف، الذي قتله الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده عندما حمل عليه.

وقد دلّت مواقف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه المعركة وغيرها على شجاعته وقوّته، وقد أكدها الاِمام علي (عليه السلام) قائلاً: (كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يكن أحد أقرب منّا إلى العدو منه).

ومن هنا فإنّ سلامة النبي الاَكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذه الحرب بل وفي عامة الحروب تعود في أكثر أسبابها إلى حسن دفاعه عن دينه وعن نفسه، وإلى شجاعته وبأسه في المعارك، إضافة إلى تضحية تلك القلة من أصحابه الاَوفياء الذين بذلوا غاية جهدهم للحفاظ على حياته وسلامته واشتهر من هوَلاء:

1. الاِمام علي (عليه السلام) الذي بلغ 26 عاماً من عمره، حيث قتل 12 من رجال قريش، والباقي وهم عشرة قتلهم باقي المسلمين. وهنا سمع هتاف بين السماء والاَرض يقول: (لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار).

2.أبو دجانة، الذي جعل من نفسه ترساً يقي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من سيوف الكفّار.

3. حمزة بن عبد المطلب، الذي دأب على حماية الرسول (صلى الله عليه وآله) من أذى المشركين دائماً في الظروف القاسية، إلاّ أنّ وحشي العبد قتله في هذه المعركة.

4. أُمّ عمارة، نسيبة المازنية، وقد باشرت القتال وذبت عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسيف، ورمت بالقوس حتى جُرِحت. وقد أُعجب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشجاعتها فأشاد بموقفها يوم أُحد: (لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من فلان و فلان) فطلبت منه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لها بالجنة فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : (بارك اللّه عليكم من أهل بيت رحمكم اللّه، اللّهمّ اجعلهم رفقائي في الجنة).

وقد استغل أبو سفيان وقريش انتصارهم فاعتمدوا الاِعلام المزيف في ذلك، بأنّ آلهتهم أعظم من إله المسلمين، قاصداً من ذلك التأثير النفسي، فقد رأى أنّ الحملة النفسية والحرب الباردة يمكنها أن تحطم إيمان المسلمين.

أمّا هند زوجة أبي سفيان، فقد مثلت مع بعض النساء بجثث المسلمين، من قطع الاَنوف وجدع الآذان وسمل العيون وقطع الاَصابع والاَرجل والمذاكير، نكاية بالمسلمين وإطفاءً للحقد الدفين. وقد بقرت هند صدر حمزة وأخرجت كبده ولاكته بين أسنانها، دون أن تستطيع أكله فعُرفت بآكلة الاَكباد، كما عرف أبناؤَها فيما بعد ببني آكلة الاَكباد.

وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما شاهد عمّه حمزة: (ما وَقفتُ موقفاً قط أغيظ إليّ من هذا).

وهكذا غادر كفّار قريش أرض المعركة إلى مكة، أمّا المسلمون، فبعد أن صلّى بهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر والعصر، دفنوا الشهداء واحداً واحداً أو اثنين اثنين، عند جبل أُحد. أمّا الشهداء فكانوا ما بين 70 أو 81 مسلماً على روايات مختلفة، ولم يتجاوز عدد قتلى قريش 22 فرداً، وأمّا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد عالجته السيدة فاطمة (عليها السلام) والاِمام علي (عليه السلام) حينما رجع إلى المدينة. |



من موقع آخر


في شهر شوال من السنة الثالثة للهجرة الموافقة للسنة الخامسة والعشرين وستمائة ميلادية، وفي يوم السبت كان الالتحام بين جيش المشركين وجيش المسلمين، والتقى الطرفان واقترب بعضهم من بعض، وراحت هند بنت عتبة ومن معها من النسوة يحرضن الرجال ويضربن بالدفوف.

بينما رفع المسلمون شعار أمت أمت، ليعرف بعضهم بعضًا، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (من يأخذ هذا السيف بحقه)، فقام إليه رجال فأمسكه عنهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرش فقال: وما حقه يا رسول الله؟

قال: (أن تضرب به العدو حتى ينحني)، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب إذا كانت، فأخرج عصابته الحمراء كعادته وعَصَبَ رأسه، وجال متبخترًا بين الصفين.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذه المواطن).

والتفت أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر، فأصابنا ما قد رأيتم، وإنما يؤتى الناس من قِبلِ راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه، فنكفيكموه، فقالوا: ستعلم غدًا إذا التقينا كيف نصنع.

وحمي الوطيس وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله، وكان في المشركين رجل يُجهز على الجرحى فالتقى به أبو دجانة وضربه فقتله، ورفع السيف على مفرق رأس هند بن عتبة ثم تركها.

وكذلك فعل حمزة بن عبد المطلب وكان العدو الأول لقريش التي حملته دم معظم قتلى بدر، فقاتل حتى قتل أرطأة بن عبد شرحبيل بن هاشم، وكان أرطئة أحد الذين يحملون اللواء، وكان في جيش المشركين عبد حبشي اسمه "وحشي" يجيد رمي السهام، حصل على وعد بالعتق من الرق إن هو قتل حمزة.

يقول وحشي: والله إني لأنظر إلى حمزة وهو يُردي الناس بسيفه ما يليق به شيئاً مثل الجمل الأورق، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فقال له حمزة: هلم إلي، وضربه ضربة ما أخطأ رأسه.

وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها، دفعتها عليه فوقعت أسفل بطنه، وخرجت من بين رجليه، فأقبل نحوي، ولكنه وقع وتركته حتى إذا ما مات، أخذت حربتي، ثم تنحيت إلى العسكر ولم تكن لي بشيء حاجة غيره.

وإنما قتلته لأُعتق، فلما قدمت مكة أعتقت، ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة هربت إلى الطائف فمكثت بها، فلما خرج وفد الطائف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليسلموا، تعيتْ عليَّ المذاهب.

فقلت: ألحق بالشام أو اليمن، أو ببعض البلاد، فوالله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك إنه - والله - ما يقتل أحداً من الناس دخل في دينه، وتشهد شهادته.

فلما قال لي ذلك، خرجت حتى قدمت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فلم يرعه إلا بي قائماً على رأسه أتشهد بشهادة الحق، فلما رآني قال: (أوحشي؟)، قلت: نعم يا رسول الله، قال: (اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة)، فلما فرغت من حديثي قال: (ويحك غيب عني وجهك فلا أرينك)، فكنت أتنكب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان؛ لئلا يراني حتى قبضه الله.

وقالت مصعب بن عمير دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى قُتل، وظن قاتله أنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدًا، فلما قتل مصعب أعطى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللواء عليَّ بن أبي طالب.

رغم عدم التكافؤ بين الجيشين فقد تمكن المسلمون من المشركين، وحمل الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه على الجانب الذي فيه أبو سفيان، فزحزحوه عن مكانه.



وحمل خالد بن الوليد على المسلمين من الميمينة، فصدته نبال الرماة من الجبل، فتراجع واختفى، وبدت الهزيمة واضحة في صفوف المشركين، ولاحظ الرماة من أعلى الجبل، فخالفوا أوامر النبي -صلى الله عليه وسلم- وتركوا مواقعهم ليشاركوا في مطاردة العدو المنهزم، وجمع الغنائم.

وناداهم قائدهم فلم يلتفتوا إليه، ولم يثبت منهم إلا بعض الرماة، الذين يقدرون معنى الطاعة والانضباط، وأمر ابن جبير من بقي من الرماة وهم عشرة رجال بالانتشار لمنع محاولة الالتفاف.

وكانت فرصة لجيش المشركين، ولمح ابن الوليد ضعف المقاومة الحامية على الجبل، وكان يرقب ذلك بعين القائد الخبير، فسارع إلى القيام بحركة التفاف من وراء الجبل، وكانت الشمس تضرب في عيون من بقي من الرماة، ففاجأهم ولم يفدهم ثباتهم واستماتتهم في القتال، واستطاع أن يتغلب عليهم ويقتلهم مع قائدهم، ثم انقض على ظهور المسلمين بخيالته يعمل فيهم تقتيلاً.

وفقد المسلمون مواقعهم وبدؤوا يقاتلون دون تخطيط، ولم يعودوا يميز بعضهم بعضًا، وتساقطوا في ميدان المعركة، وانقطع اتصالهم بقائدهم، وسُمعَ صوت ينادي إن محمدًا قد قتل.

ففر جمع من المسلمين، وجلس بعضهم إلى جانب ميدان المعركة دون قتال، وآثر آخرون الشهادة والثبات والصبر، وفي مقدمتهم أنس بن النضر الذي رفض الانسحاب ووقف بين المسلمين قائلاً: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا ما قاتل عليه محمد، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء. ثم شد بسيفه وقاتل حتى استشهد.

ولقد حكى القرآن العظيم خبر فرار هؤلاء بعد سماعهم نبأ مقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي شاع في ساحة المعركة، وكان أول من علم بنجاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنه حي هو الصحابي كعب بن مالك، الذي رفع صوته بالبشرى فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسكوت حتى لا يَفطَنَ المشركون إلى ذلك.

وقد نص القرآن العظيم على أن الله تعالى قد عفا تلك الفئة التي فرت، قال تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ? [آل عمران: 155].

بالرغم مما جرى ظل الرسول -عليه الصلاة والسلام- محافظًا على رَباطة جأشه، رغم استشهاد خيرة رجاله، وانتبه المشركون إلى وجوده مع تسعة من أصحابه، سبعة منهم من الأنصار، فهاجموهم واستبسل الأنصار واستشهدوا واحدًا بعد الآخر، ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله حتى أثخن، وأصيب بسهم شلت يمينه، ووقف أمامه أبو دجانة يرد السهام بظهره، وقاتل سعد بن أبي وقاص بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان يناوله النبال ويقول له: (ارمِ يا سعد، فداك أبي وأمي).

وقاتل بين يديه أبو طلحة الأنصاري، وكان من أمهر الرماة، وهو الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لصوت أبي طلحة في الجيش أشد على المشركين من فئة).

وأدرك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أبي بن خلف فنادى: أي محمد لا نجوت إن نجوت، فقال من يحيط برسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيعطف عليه رجل منا، فقال: (دعوه) فلما دنا تناول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحربة من الحارث بن الصمة واستقبله فطعنه في عنقه طعنة تدحرج منها عن فرسه.

وعلى الرغم من استبسال الصحابة في الدفاع عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد أصيب إصابات عديدة، فقد كسرت رباعيته، وشُج في وجهه، فأخذ يمسح دمع وجهه الكريم وهو يقول: (كيف يفلح قوم قضبوا وجه نبيهم، وهو يدعوهم إلى الإسلام)، فأنزل الله تعالى في ذلك: ? لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ? [آل عمران: 128].



واستمر القتال حتى أجهد كل من طرفي القتال وانسحب النبي -صلى الله عليه وسلم- بمن معه ومن لحق به من أصحابه إلى أحد شعاب جبل أحد، وكان المسلمون في حالة من الألم والخوف والغم لما أصاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وبدؤوا بالتجمع حوله في نقطة الازدلاف التي عينها، وطلب عندها التراجع نحو الجبل، جبل أحد وعدم السماح للمشركين بالالتفاف حولهم من أعلى الجبل.

وعندما حاول المشركون ذلك ثانية منعهم عمر بن الخطاب بمن معه، فأدرك المشركون أنه لم يعد بإمكانهم القضاء على المسلمين وقد أنهكهم التعب كذلك، وكثُرَ فيهم الجرحى فقرروا الانسحاب مكتفين بالنصر المؤقت.

ووقف أبو سفيان على مرتفع وقال: أنعمت فِعال، إن الحرب سجال، يوم بيوم، أعلُ هبل.

فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- لعمر: (قم فأجبه وقل: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتالكم في النار)، ونادى أبو سفيان عمر وسأله: هل قتلوا محمداً، فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن، فانصرف أبو سفيان وهو ينادي: موعدكم بدرٌ للعام القادم.

فقال -عليه الصلاة والسلام- لعمر: (قل: نعم، هو بيننا وبينكم موعد).

وهكذا انفصل الجيشان وتوقف القتال، وخسر المسلمون في هذه المعركة سبعين شهيدًا، بينما لم يزد قتلى المشركين عن ثلاثة وعشرين رجلاً، انسحبت قريش من أرض المعركة وامتطت إبلها مكتفية بما حققت.

ودون أن تتطلع إلى نصر حاسم ضد المسلمين، كما لم يؤسر أحد من المسلمين، وزيادة في الاطمئنان إلى أن العدو من المشركين قد توجه لمكة، أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًّا أن يخرج في إثر القوم فينظر ماذا يفعلون، حتى لا يتعرض لخديعة أو مباغتة.

فإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، وإن امتطوا الإبل وجنبوا الخيل، فهم عائدون إلى مكة، وجاء عليٌ بالخبر أنهم ركبوا الإبل، وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلتمس حمزة، فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومُثِّلَ به، فجدع أنفه وأذناه، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين رأى ما به: (لولا أن تحزن صفية ويكون سنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير ولئن أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثل بثلاثين رجلاً منهم).

فلما رأى المسلمون حزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغيظه على من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوماً من الدهر لنمثل بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب.

ونزل قوله تعالى: ?وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ? [النحل: 126]، فعفا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصبر، ونهى عن المثلة.

وجاءت صفية أخت حمزة، وعمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأم الزبير تبحث عن أخيها حمزة، فأشار إلى ابنها الزبير أن يرجعها حتى لا ترى ما بأخيها من مثلة ، فقالت: ولمَ ؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا بما كان في ذلك، لأحتسبنَّ ولأصبرنَّ إن شاء الله.

وعندما أخبر الزبير النبي -صلى الله عليه وسلم- بقولها أمره بأن يخلي سبيلها، فأتته فنظرت إليه، فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أُمِرَ به فدفن.

وقد روى البخاري وأبو داود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: (أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟)، فإذا أشير لأحد قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة)، وأمر بدفنهم بدمائهم.

ودفن الاثنان والثلاثة في قبر واحد، وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدفنوا حيث صرعوا، ونقل فيما بعد بعضهم للمدينة.



وبعد الدفن صَفَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه وأثنى على ربه ثم دعا الله أن يعطيهم نعيم الدنيا والآخرة وأن يقتل الكفرة المكذبين. وكان يتمنى أن يمضي شهيدًا مع أصحابه الذين استشهدوا يوم أحد، وقد أثنى عليهم عندما سمع عليًّا -رضي الله عنه- يقول لفاطمة: هاكِ السيف فإنها قد شفتني.

فقال له: لئن كنت أجد الضرب بسيفك لقد أجاد سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث بن الصمة ونزل في شهداء أحد: ?وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ? [آل عمران: 169].

وواجه المسلمون عند عودتهم للمدينة اليهود الشامتين والمنافقين المرجفين، وكانوا يواجهون الأعراب في أطراف المدينة الذين يتطلعون لخيراتها بشراهة.

وعمد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى حشد عسكري حتى يُعيد للمسلمين معنوياتهم ويرهب عدوهم؛ وليظهر لليهود والمنافقين أن هذه المعركة لم تفتَّ من عزيمتهم، ونادى مناديه بالناس أن يتهيئوا لملاحقة العدو .

واستجاب المسلمون الذين شاركوا في أحد وخرجوا في اليوم التالي في الثامن من شوال سنة ثلاث هجرية على ما بهم من تعب وإرهاق وقروح وأطاعوا نبيهم وقائدهم، وساروا إلى حمراء الأسد، وفي الطريق أسلم معبد بن أبي معبد الخزاعي، فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذهب لأبي سفيان ولم يعرف إسلام معبد بعد فيرهبه ويحمل إليه أنه ناصح له ليجدَّ السير إلى مكة وأن محمدًا قد عاد إليه ليلاحقه.

وكان ذلك، وأرسل أبو سفيان رسالة مع ركب من عبد القيس قال فيها: إنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم.

وسمع النبي -صلى الله عليه وسلمَ- ذلك فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل).

وأنزل الله تعالى: ?الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ?173? فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ?174? إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ? [آل عمران: 173- 175].

أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- في حمراء الأسد ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة، ولقد نزلت آيات في معركة أحد وعددها ثمانٍ وخمسون آية من سورة آل عمران، وتبدأ بذكر المراحل الأولى للمعركة: ? وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? [آل عمران: 121]، وتنتهي بنتائج المعركة والحكمة التي أرادها الله فقال تعالى: ?مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ? [آل عمران: 179].

حاول الأعراب حول المدينة بعد أحد أن يتجرؤوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى الاستيلاء على خيرات المدينة، وبلغته أخبار الاستعدادات التي قام بها بنو أسد بن خزيمة، بقيادة طليحة الأسدي








موقع قصة الإسلام


http://www.islamstory.com/


تحميل



No comments:

Post a Comment

Linkwithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...